أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

139

العقد الفريد

فوضع أبو سعيد السيف وقال : بؤ « 1 » بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين ! فقال : أبو سعيد الخدريّ أنت ؟ قال : نعم . قال : فاستغفر لي ! قال : غفر اللّه لك . وأمر مسلم بن عقبة بقتل معقل بن سنان الأشجعي صبرا ، ومحمد بن أبي الجهم العدويّ صبرا . وكان جميع من قتل يوم الحرة من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستة رجال ، ومن الموالي وغيرهم أضعاف هؤلاء . وبعث مسلم بن عقبة برءوس أهل المدينة إلى يزيد ، فلما ألقيت بين يديه جعل يتمثل بقول ابن الزبعرى يوم أحد : ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلّوا واستهلّوا فرحا * ولقالوا ليزيد لا فشل فقال له رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين ! قال : بلى نستغفر اللّه . قال : واللّه لا ساكنتك أرضا أبدا . وخرج عنه . ولما انقضى أمر الحرّة توجه مسلم بن عقبة بمن معه من أهل الشام إلى مكة يريد ابن الزبير وهو ثقيل ، فلما كان بالأبواء « 2 » حضره أجله . فدعا حصين بن نمير ، فقال له : إني أرسلت إليك ، فلا أدري أقدّمك على هذا الجيش ، أو أقدمك فأضرب عنقك ! قال : أصلحك اللّه ، أنا سهمك ، فارم بي حيث شئت . قال : إنك اعرابي جلف « 3 » جاف ، وإنّ هذا الحي من قريش لم يمكنهم أحد قط من أذنه إلا غلبوه على رأيه ، فسر بهذا الجيش ، فإذا لقيت القوم ، فإياك أن تمكنهم من أذنك ، لا يكن إلا على الوقاف « 4 » ، ثم الثقاف « 5 » ، ثم الانصراف .

--> ( 1 ) بؤ : ارجع . ( 2 ) الأبواء : اسم موضع . ( 3 ) الجلف : الأحمق . ( 4 ) الوقاف : ان تقف معه ويقف معك في حرب أو خصومة . ( 5 ) الثقاف : الجلاد .