أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
118
العقد الفريد
قال : نخافكم إن صدّقناكم ، ونخاف اللّه إن كذبنا . فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه ، فوفد عليه من كل مصر قوم ، وكان فيمن وقد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم ، فخلا به معاوية وقال له : ما ترى في بيعة يزيد ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إليّ رشدا من نفسك سوى نفسي ، وإن يزيد أصبح غنيا في المال ، وسطا في الحسب ، وإن اللّه سائل كلّ راع عن رعيته ، فاتق اللّه وانظر من تولّي أمة محمد . فأخذ معاوية بهر « 1 » حتى تنفس الصعداء وذلك في يوم شات ، ثم قال : يا محمد ، إنك امرؤ ناصح قلت برأيك ، ولم يكن عليك إلا ذاك . قال معاوية : إنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم ، فابني أحبّ إليّ من أبنائهم ؛ اخرج عني ! ثم جلس معاوية في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه وقد تقدّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد ، فكان أول من تكلم الضحاك بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لا بد للناس من وال بعدك ، والأنفس يغدى عليها ويراح ، وإن اللّه قال : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 2 » ، ولا ندري ما يختلف به العصران ؛ ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن معدنه وقصد « 3 » سيرته ، من أفضلنا حلما وأحكمنا علما ، فولّه عهدك ، واجعله لنا علما بعدك ، فإنا قد بلونا الجماعة والألفة ، فوجدناها أحقن للدماء ، وآمن للسبل ، وخيرا في العاقبة والآجلة . ثم تكلم عمرو بن سعيد فقال : أيها الناس ، إن يزيد أمل تأملونه ، وأجل تأمنونه ، طويل الباع ، رحب الذراع إذا صرتم إلى عدله وسعكم ، وإن طلبتم رفده أغناكم ؛ جدع قارح « 4 » ، سوبق فسبق ، وموجد فمجد ، وقورع فقرع ، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه . فقال : اجلس أبا أمية ، فلقد أوسعت وأحسنت .
--> ( 1 ) البهر : الكرب والعجب . ( 2 ) سورة الرحمن الآية 29 . ( 3 ) قصد سيرته : أي استقامتها . ( 4 ) الجذع من الرجال : الشاب الحدث .