أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

119

العقد الفريد

ثم قام يزيد بن المقنّع فقال : أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - فمن أبي فهذا - وأشار إلى سيفه : فقال معاوية : اجلس فإنك سيد الخطباء . ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره ، وسرّه وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه للّه رضا ، ولهذه الأمة ، فلا تشاور الناس فيه ؛ وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة . قال : فتفرق الناس ولم يذكروا إلا كلام الأحنف . قال : ثم بايع الناس ليزيد بن معاوية ، فقال رجل وقد دعي إلى البيعة : اللهم إني أعوذ بك من شرّ معاوية . فقال له معاوية : تعوّذ من شرّ نفسك ، فإنه أشدّ عليك ، وبايع . قال : إني أبايع وأنا كاره للبيعة . قال له معاوية : بايع أيها الرجل ، فإن اللّه يقول : فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً « 1 » . ثم كتب إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة أن ادع أهل المدينة إلى بيعة يزيد ؛ فإن أهل الشام والعراق قد بايعوا . فخطبهم مروان فحضّهم على الطاعة وحذّرهم الفتنة ، ودعاهم إلى بيعة يزيد ، وقال : سنة أبي بكر الهادية المهدية . فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر : كذبت ، إن أبا بكر ترك الأهل والعشيرة وبايع لرجل من بني عدي رضي دينه وأمانته ، واختاره لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فقال مروان : أيها الناس ، إن هذا المتكلم هو الذي أنزل اللّه فيه : وَالَّذِي قالَ

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 19 .