أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
117
العقد الفريد
قال : صاحب نبينا ، وقد سألنا أن نقدمه في بلادك ، ونحن منفذون وصيته أو تلحق أرواحنا باللّه . فأرسل إليه : العجب كل العجب ! كيف يدهّي « 1 » الناس أباك وهو يرسلك فتعمد إلى صاحب نبيك فتدفنه في بلادنا ، فإذا ولّيت أخرجناه إلى الكلاب ؟ فقال يزيد : إني واللّه ما أردت أن أودعه بلادكم حتى أودع كلامي آذانكم ، فإنك كافر بالذي أكرمت هذا له ، ولئن بلغني أنه نبش من قبره أو مثّل به لا تركت بأرض العرب نصرانيا إلا قتلته ، ولا كنيسة إلا هدمتها ! فبعث إليه قيصر : أبوك كان أعلم بك ، فو حقّ المسيح لأحفظنّه بيدي سنة فلقد بلغني أنه بنى على قبره قبّة يسرج فيها إلى اليوم . طلب معاوية البيعة ليزيد أبو الحسن المدائني قال : لما مات زياد ، وذلك سنة ثلاث وخمسين ، أظهر معاوية عهدا مفتعلا فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده ، وإنما أراد أن يسهل بذلك بيعة يزيد ، فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين ، ويشاور ، ويعطي الأقارب ويداني الأباعد ، حتى استوثق له من أكثر الناس فقال ؛ لعبد اللّه بن الزبير : ما ترى في بيعة يزيد ؟ قال : يا أمير المؤمنين إني أناديك ولا أناجيك ، إن أخاك من صدقك ، فانظر قبل أن تتقدم ، وتفكّر قبل أن تندّم ، فإن النظر قبل التقدّم ، والتفكر قبل التندم . فضحك معاوية وقال : ثعلب رواغ ! تعلمت السجع عن الكبر ، في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك . ثم التفت إلى الأحنف فقال : ما ترى في بيعة يزيد ؟
--> ( 1 ) الدهّاء : الذي نسب إلى الدهاء .