أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
114
العقد الفريد
وقد قلدوك جسيما من أمرهم ، فلا تخالفنّ رأيهم ، فإنك تجري إلى أمد لم تبلغه ، ولو قد بلغته لتنفست فيه ! قال معاوية : فعجبت من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ . العتبى عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب قدم الشام على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف على حمار ، فتلقاهما معاوية في موكب نبيل ، فجاوز عمر حتى أخبر ، فرجع إليه ، فلما قرب منه نزل [ إليه ] فأعرض عنه عمر ، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتعبت الرجل ! فأقبل عليه عمر ، فقال : يا معاوية ، أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : ولم ذلك ؟ قال : لأنا في بلاد لا نمتنع فيها من جواسيس العدو ، فلا بد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان ، فإن أمرتني بذلك أقمت عليه ، وإن نهيتني عنه انتهيت . قال : لئن كان الذي قلت حقا فإنه رأي أريب « 1 » ، ولئن كان باطلا فإنها خدعة أديب ، وما آمرك به ولا أنهاك عنه . فقال عبد الرحمن بن عوف : لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه . قال : لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشمناه . وقال معاوية لابن الكواء . يا ابن الكواء ، أنشدك اللّه ما علمك فيّ ؟ قال : أنشدني اللّه ، ما أعلمك إلا واسع الدنيا ضيّق الآخرة ! ولما مات الحسن بن علي ، حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقيل له : إن هاهنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخذ رأيه . فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثم لا أعود إليه ! فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد ، فلما مات لعنه على المنبر
--> ( 1 ) الأريب : من كان ذا دهاء وفطنة .