أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

115

العقد الفريد

وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر ، ففعلوا . فكتبت أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى معاوية : إنكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهد أنّ اللّه أحبّه ورسوله . فلم يلتفت إلى كلامها . وقال بعض العلماء لولده : يا بنيّ ، إن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين ، وإن الدّين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا ، ألا ترى أن قوما لعنوا عليا ليخفضوا منه فكأنما أخذوا بناصيته جرّا إلى السماء ! ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية ومعه عمرو بن العاص جالس على سريره ، فقال : وسّع له على ترابيّة فيه ! فقال صعصعة : إني واللّه لترابي ، منه خلقت ، وإليه أعود ، ومنه أبعث ؛ وإنك لمارج « 1 » من مارج من نار ! العتبي عن أبيه : قال معاوية يوما لعمرو بن العاص : ما أعجب الأشياء ؟ قال : غلبة من لا حقّ له ذا الحق على حقه . قال معاوية : أعجب من ذلك أن يعطى من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة ! وقال معاوية : أعنت على عليّ بأربعة ، كنت أكتم سرّي ، وكان رجلا يظهره ؛ وكنت في أصلح جند وأطوعه ، وكان في أخبث جند وأعصاه ؛ وتركته وأصحاب الجمل وقلت : إن ظفروا به كانوا أهون عليّ منه ، وإن ظفر بهم اغتر بها في دينه ! وكنت أحبّ إلى قريش منه ؛ فيا لك من جامع إليّ ومفرّق عنه ! العتبي قال : أراد معاوية أن يقدم ابنه يزيد على الصائفة « 2 » ، فكره ذلك يزيد ، فأبى معاوية إلا أن يفعل ، فكتب إليه يزيد يقول :

--> ( 1 ) المارج : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد ، أو هو اللهب المختلط بسواد النار . ( 2 ) الصائفة : الجيش يغزو صيفا .