أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

106

العقد الفريد

وقال سليمان بن أبي راشد عن عبد اللّه بن عبيد عن أبي الكنود ، قال : كنت من أعوان عبد اللّه بالبصرة ، فلما كان من أمره ما كان أتيت عليا فأخبرته فقال : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ « 1 » . ثم كتب علي إليه : أما بعد ، فإني كنت أشركتك في أمانتي ، [ وجعلتك شعاري وبطانتي ] ، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك ، لمواساتي وموازرتي ، وأداء الأمانة [ إليّ ] ؛ فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك ، والعدوّ قد حرب ، وأمانة الناس قد خزيت ، وهذه الأمة قد فنكت [ وشغرت ] ، قلبت لابن عمّك ظهر المجن « 2 » ، ففارقته مع القوم المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان وخنته مع من خان ، فلا ابن عمك آسيت ، ولا الأمانة إليه أدّيت ؛ كأنك لم تكن على بينة من ربّك ، و [ كأنك ] إنما كنت [ تكيد ] أمة محمد عن دنياهم ، و [ تنوي ] غرّتهم عن فيتهم ، فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الأمة ، أسرعت الغدرة ، وعاجلت الوثبة ، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم ، وانقلبت بها إلى الحجاز ، كأنك إنما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأمك ؛ سبحان اللّه ! أما تؤمن بالمعاد ؟ أما تخاف الحساب ؟ أما تعلم أنك تأكل حراما ، وتشرب حراما ، وتشتري الإماء وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل اللّه التي أفاء اللّه عليهم ؟ فاتق اللّه وأدّ إلى القوم أموالهم : فإنك واللّه لئن لم تفعل وأمكنني اللّه منك لأعذرن إلى اللّه فيك : فو اللّه لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ، ما كانت لهما عندي هوادة ، ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما ، والسلام . فكتب إليه ابن عباس : أما بعد ، فقد بلغني كتابك تعظّم عليّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 175 . ( 2 ) يقال : قلب له ظهر المجن : عاداه بعد مودة .