أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
9
العقد الفريد
خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق ! فازورّ « 1 » من ذلك الحجاج ، وقال : ما أقدمك على هذا وقد تعلم مكانته مني ؟ فقال له الأعرابي أفتراه بمكانته منك أعزّ مني بمكانتي من اللّه تبارك وتعالى ، وأنا وافد بيته ، وقاضي دينه ، ومصدّق نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ! قال : فوجم لها الحجاج ولم يجر له جوابا ، حتى خرج الرجل بلا إذن . قال طاوس : فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة ، فقال : بك أعوذ ، وإليك ألوذ ، فاجعل لي في اللهف إلى جوارك والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين ، وغنى عما في أيد المستأثرين ؛ اللهم عد بفرجك القريب ، ومعروفك القديم ، وعادتك الحسنة . قال طاوس : ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما على قدميه وهو يقول : اللهم إن كنت لم تقبل حجّي ونصبي وتعبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك وانصرف محروما من وجه رحمتك . الأصمعي قال : رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وهو يقول : إلهي عجّت « 2 » إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات ، وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البلاء إذا نسيني أهل الدنيا . اللهم هب لي حقك ، وأرض عني خلقك ، اللهم لا تعيني بطلب ما لم تقدّره لي ، وما قدرته لي فيسّره لي . قال : ودعت أعرابية لابن لها وجهته إلى حاجة ، فقالت : كان اللّه صاحبك في أمرك ، وخليفتك في أهلك ، ووليّ نجح « 3 » طلبتك . امض مصاحبا مكلوءا ، لا أشمت اللّه بك عدوّا ، ولا أرى محبيك فيك سوءا . قال : ومات ابن لأعرابي فقال : اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من بري ، فهب له ما قصّر فيه من طاعتك ، فإنك فإنك أجود وأكرم .
--> ( 1 ) أزور : مال وانحرف . ( 2 ) عجّت إليك الأصوات أي رفعت إليك . ( 3 ) النّجح : النجاح .