أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

89

العقد الفريد

كتاب المجنبة في الأجوبة فرش الكتاب قال أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في كلام الأعراب خاصة ، ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في الجوابات التي هي أصعب الكلام كلّه مركبا ، وأعزه مطلبا ، وأغمضه مذهبا ، وأضيقه مسلكا ؛ لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة ، واستعمال القريحة ، يروم في بديهته نقض ما أبرم القائل في رويته ، فهو كمن أخذت عليه الفجاج ، وسدّت عليه المخارج ، قد اعترض الأسنة ، واستهدف للمرامي ، لا يدري ما يقرع له فيتأهب له ، ولا ما يفجأه من خصمه فيقرعه بمثله ، ولا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام فقاده بذمامه بعد أن روّى فيه واحتفل ، وجمع خواطره واجتهد ، وترك الرأي يغبّ حتى يختمر ؛ فقد كرهوا الرأي الفطير « 1 » ، كما كرهوا الجواب الدّبريّ « 2 » ، فلا يزال في نسج الكلام واستئناسه ، حتى إذا اطمأن شارده ، وسكن نافره ، صك به خصمه جملة واحدة ثم إذا قيل له : أجب ولا تخطئ ، وأسرع ولا تبطئ ، تراه يجاوب من غير أناة ولا استعداد ، يطبّق المفاصل ، وينفذ إلى المقاتل ، كما يرمي الجندل بالجندل ، ويقرع الحديد بالحديد ، فيحل به عراه ، وينقض به مرائره ، ويكون جوابه على كلامه كسحابة لبّدت عجاجة « 3 » ؛ فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر ، ولا أعز من الخصم الألد الذي يقرع صاحبه ، ويصرع منازعه بقول كمثل النار في الحطب الجزل .

--> ( 1 ) الفطير : كل ما أعجل به قبل نضحه . ( 2 ) الرأي الدبري : هو الذي يسنح أخيرا بعد فوات الحاجة . ( 3 ) لبدت عجاجته : كفّ عما كان فيه .