أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
84
العقد الفريد
إلى ظليل ساكن الأوار « 1 » * من بعد ما أيقنت بالدّمار قال : فدعونا له بكسوة غير كسوته فألبسناه ، وأتينا به مجلس أبي حماد ؛ وكان أبو حماد يبيع الحنطة والتمر وجميع الحبوب ؛ وكان يجاوره قوم يبيعون أنبذة التمر وكان أبو الحسن التّمّار ماهرا ؛ فإذا خضنا في النحو وذكرنا الرؤاسي والكسائي وأبا زيد ، جعل ينظر ، يفقه الكلام ولا يفهم التأويل ؛ فقلنا له : ما تقول يا أبا الزهراء ؟ فقال : يا ابن أخي ، إن كلامكم هذا لا يسد عوزا مما تتعلمونه له . فقال أبو الحسن : إن بهذا تعرف العرب صوابها من خطئها . فقال له : ثكلت وأثكلت ! وهل تخطئ العرب ؟ قال : بلى . قال : على أولئك لعنة اللّه وعلى الذين أعتقوا مثلك ! قال سويد : وكنت أحدثهم سنا ( قال ) فقلت : جعلت فداك ، وأنا رجل من بني شيبان وربيعة ؛ ما تعلم أنّا على مثل الذي أنت عليه من الإنكار عليهم ؛ فقال فيهم : يسائلني بيّاع تمر وجردق * ومازج أبوال له في إنائه « 2 » عن الرّفع بعد الخفض ، لا زال خافضا * ونصب وجزم صيغ من سوء رائه فقلت له هذا كلام جهلته * وذو الجهل يروي الجهل عن نظرائه فقال بهذا يعرف النحو كلّه * يرى أنني في العجم من نظرائه فأمّا تميم أو سليم وعامر * ومن حلّ غمر الضّالّ أو في إزائه ففيهم وعنهم يؤثر العلم كلّه * ودع عنك من لا يهتدي لخطائه فمن ذا الرّؤاسي الذي تذكرونه * ومن ذا الكسائي سالح في كسائه ومن ثالث لم أسمع الدهر باسمه * يسمّونه من لؤمه سيبوائه فكيف يخلّ القول من كان أهله * ويهدى له من ليس من أوليائه فلست لبيّاع التّميرات مغضيا * على الضّيم إن واقفت بعد عشائه ولقد قلنا له : يا أبا الزهراء ، هل قرأت من كتاب اللّه شيئا ؟ قال : أي وأبيك ، آيات مفصلات أردّدهن في الصلوات ، آباء وأمهات ، وعمات وخالات ثم أنشأ يقول :
--> ( 1 ) الأوار : الحرّ . ( 2 ) الجردق : الرغيف .