أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
85
العقد الفريد
قرأت قول اللّه في الكتاب * ما أنزل الرّحمن في الأحزاب لعظم ما فيها من الثّواب * الكفر والغلظة في الأعراب وأنا فاعلم من ذوي الألباب * أومن باللّه بلا ارتياب في عرشه المستور بالحجاب * والموت والبعث وبالحساب وجنّة فيها من الثياب * ما ليس بالبصرة في حساب وجاحم يلفح بالتهاب * أوجه أهل الكفر والسّباب « 1 » ودفع رحل الطارق المنتاب * في ليلة ساكتة الكلاب ولما أحضرناه ذات يوم جنازة ، فقلنا له : يا أبا الزهراء ، كيف رأيت الكوفة ؟ قال : يا ابن أخي ، حضرا حاضرا ؛ ومحلا آهلا ؛ أنكرت من أفعالكم الأكيال والأوزان ، وشكل النسوان . ثم نظر إلى الجبانة فقال : ما هذا التلال يا ابن أخي ؟ قلت له : أجداث الموتى ، فقال : أماتوا أم قتلوا ؟ فقلت : قد ماتوا بآجالهم ميتات مختلفات . قال : فما ذا ننتظر نحن يا ابن أخي ؟ قلت : مثل الذي صاروا إليه : فاستعبر وبكى ؛ وجعل يقول : يا لهف نفسي أن أموت في بلد * قد غاب عني الأهل فيه والولد وكلّ ذي رحم شفيق معتقد * يكون ما كنت سقيما كالرمد يا ربّ يا ذا العرش وفّق للرّشد * ويسّر الخير لشيخ مختضد « 2 » ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى أخذته الحمى والبرسام « 3 » ؛ فكنا لا نبارحه عائدين متفقدين ؛ فبينا نحن عنده ذات يوم وقد اشتد كربه وأيقن بالموت ، جعل يقول : أبلغ بناتي اليوم بالصّوى * قد كنّ يأملن إيابي بالغنى « 4 » وقد تمنّين وما يغني المنى * بأنّ نفسي وردت حوض الرّدى يا ربّ يا ذا العرش في أعلى السّما * إليك قدّمت صيامي في الظّما
--> ( 1 ) الجاحم : الجمر الشديد الاشتعال . ( 2 ) مختضد : عاجز . ( 3 ) البرسام : التهاب في الغشاء المحيط بالرئة . ( 4 ) الصّوى : مفردها : الصّوة : وهي ما غلظ وارتفع من الأرض . وقد تكون موضعا .