أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
83
العقد الفريد
يطرف ، فلما رأى ذلك بسط يده فأخذ واحدة ، فنزع أعلاها وقوّر أسفلها ، فقلنا له : ما تريد أن تصنع يا أبا الزهراء ؟ فقال : إن كان السم يا ابن أخي ففيما ترون ! فلما طعمه استخفّه واستعذبه واستحلاه ، فلم يكن يؤثر عليه شيئا ، وما كنا نأتيه بعد بغيره ، وجعل في خلال ذلك يقول : هذا طعام طيّب يلين * في الجوف والحلق له سكون الشّهد والزبد به معجون فلما كان إلى أيام ، قلت له : يا أبا الزهراء ، هل لك في الحمام ؟ قال : وما الحمام يا ابن أخي ؟ قلنا له : دار فيها أبيات : حارّ ، وفاتر ، وبارد ؛ تكون في أيها شئت يذهب عنك قشف السفر ويسقط عنك هذا الشعر . قال : فلم نزل به حتى أجابنا ، فأتينا به الحمام ، وأمرنا صاحب الحمام أن لا يدخل علينا أحدا ، فدخل وهو خائف مترقب ، لا ينزع يده من يد أحدنا ، حتى صار في داخل الحمام ، فأمرنا من طلاه بالنّورة « 1 » ، وكان جلده أشعر كجلد عنز ، فقلق ونازع للخروج ، وبدأ شعره يسقط ؛ فقلنا أحين طاب الحمام وبدأ شعرك يسقط تخرج ؟ قال : يا بن أخي ، وهل بقي إلا أن أنسلخ كما ينسلخ الأديم في احتدام القيظ ! وجعل يقول : وهل يطيب الموت يا إخواني * هل لكم في القوس والأتان خذوهما منّي بلا أثمان * وخلّصوا المهجة يا صبيان فاليوم لو أبصرني جيراني * عريان بل أعرى من العريان قد سقط الشّعر من الجثمان * حسبت في المنظر كالشّيطان ! قال : ثم خرج مبادرا ، واتبعه أحداث لنا ، لولاهم لخرج بحاله تلك ما يستره شيء ؛ ولحقناه في وسط البيوت ، فأتيناه بماء بارد ، فشرب وصب على رأسه ، فارتاح واستراح ، وأنشأ يقول : الحمد للمستحمد القهّار * أنقذني من حرّ بيت النار
--> ( 1 ) النورة : حجر يحرق ويسوى منه الكلس ويحلق به الشعر .