أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
8
العقد الفريد
أتراك معذبنا وتوحيدك في قلوبنا ، وما إخالك تفعل ! ولئن فعلت لتجمعنّا مع قوم طالما أبغضناهم لك . الأصمعي قال : سمعت أعرابيا يقول في صلاته : الحمد للّه حمدا لا يبلى جديده ولا يحصى عديده ، ولا يبلغ حدوده ؛ اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره ، واجعل القبر خير بيت نعمره ، واجعل ما بعده خيرا لنا منه ؛ اللهم إن عينيّ قد اغرورقتا دموعا من خشيتك ؛ فاغفر الزلة ، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك . الأصمعي قال : وقف أعرابي في بعض المواسم فقال : اللهم إن لك عليّ حقوقا فتصدّق بها عليّ ، وللناس قبلي تباعات فتحملها عني ؛ وقد وجب لكل ضيف قرى « 1 » ، وأنا ضيفك الليلة ، فاجعل قراي فيها الجنة . قال : ورأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة وهو يقول : سائلك عبد بابك ذهبت أيامه ، وبقيت آثامه ، وانقطعت شهوته ، وبقيت تباعته فارض عنه ، وإن لم ترض عنه فاعف عنه غير راض . قال : ودعا أعرابي عند الكعبة ، فقال : اللهم إنه لا شرف إلا بفعال ، ولا فعال إلا بمال ؛ فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا والآخرة . قال زيد بن عمر : سمعت طاوسا يقول : بينا أنا بمكة إذا دفعت إلى الحجاج بن يوسف ، فثني لي وسادا فجلست ، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية ، فقال الحجاج : عليّ بالملبّي . فأتي به ، فقال : من الرجل ؟ قال : من أفناء « 2 » الناس . قال : ليس عن هذا سألتك . قال : فعمّ سألتني ؟ قال : من أي البلدان أنت ؟ قال : من أهل اليمن . قال له الحجاج : فكيف خلفت محمد بن يوسف ؟ يعني أخاه ، وكان عامله على اليمن ؛ قال : خلفته عظيما جسيما خرّاجا ولّاجا . قال : ليس عن هذا سألتك . قال : فعمّ سألتني ؟ قال : كيف خلّفت سيرته في الناس ؟ قال :
--> ( 1 ) القرى : ما يقدم إلى الضيف . ( 2 ) أفناء الناس : أخلاطهم .