أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
66
العقد الفريد
قال : ورأيت أعرابيا ومعه بنيّ له صغير ممسك بفم قربة ، وقد خاف أن تغلبه القربة ؛ فصاح : يا أبت ، أدرك فاها ، غلبني فوها ، لا طاقة لي بفيها ! قولهم في الدين قال أعرابي : الدّين ذل بالنهار وهمّ بالليل . وقال أعرابي في غرماء له يطلبونه بدين : جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا * فقلت موعدكم دار ابن هبّار وما أواعدهم إلّا لأدرأهم * عني فيحرجني نقضي وإمراري « 1 » وما جلبت إليهم غير راحلة * تخدي برحلي وسيف جفنه عاري « 2 » إنّ القضاء سيأتي دونه زمن * فاطو الصحيفة واحفظها من النار الأصمعي قال : كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين ؛ فلما حل دينه هرب الأعرابي وأنشأ يقول : إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له * تزوّد بزاد واستعن بدليل سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا * بقالي قلا أو من وراء دبيل « 3 » قال الأصمعي : اختصم أعرابيان إلى بعض الولاة في دين لأحدهما على صاحبه ؛ فجعل المدّعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق ، فقال له المدعي : دعني من هذه الأيمان واحلف بما أقوله لك : لا ترك اللّه لك خفا يتبع خفا ولا ظلفا يتبع ظلفا ؛ وحتّك من أهلك ومالك حتّ « 4 » الورق من الشجر ، إن لم يكن لي هذا الحق قبلك ! فأعطاه حقه ولم يحلف له . الهيثم بن عدي قال : يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا : لا أورد اللّه لك صادرة ، ولا أصدر لك واردة ، ولا حططت رحلك ، ولا خلعت نعلك .
--> ( 1 ) امراري ونقضي ، أي عقدي وحلّي . ( 2 ) الجفن : غمد السيف ونحوه . ( 3 ) قالي قلا ودبيل : مدينتان بأرمينية . ( 4 ) حتّ : سقط .