أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
57
العقد الفريد
وقيل لأعرابي : فيم كنتم ؟ قال : كنا بين قدر تفور ، وكأس تدور ، وحديث لا يحور « 1 » . وقيل لأعرابي : ما أعددت للبرد ؟ قال : شدة الرعدة ، وقرفصاء القعدة ، وذرب المعدة « 2 » . وقيل لأعرابي : ما لك من الولد ؟ قال : قليل خبيث . قيل له : ما معناه ؟ قال : إنه لا أقل من واحد ، ولا أخبث من أنثى ! وقال : أضل أعرابي الطريق ليلا ، فلما طلع القمر اهتدى ؛ فرفع رأسه إليه متشكرا فقال : ما أدري ما أقول لك وما أقول فيك ؛ أأقول رفعك اللّه ! فقد رفعك : أم أقول : نوّرك اللّه ! فقد نوّرك ! أم أقول : حسّنك اللّه ! فقد حسّنك ؛ أم أقول : عمرك اللّه ! فقد عمرك ؛ ولكني أقول : جعلني اللّه فداك ! وقيل لأعرابي : ما تقول في ابن العم ؟ قال : عدوّك وعدوّ عدوّك . وقيل لأعرابي وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها : صف لنا ناقتك . قال : ما طلبت عليها قط إلا أدركت ، وما طلبت إلا فتّ . قيل له : فلم تبيعها ؟ قال : لقول الشاعر : وقد تخرج الحاجات يا أمّ عامر * كرائم من ربّ بهنّ ضنين وقيل لأعرابي : كيف ابنك ؟ وكان به عاقا ؛ قال : عذاب لا يقاومه الصبر ، وفائدة لا يجب فيها الشكر ، فليتني قد استودعته القبر . قيل لشريح القاضي : هل كلمك أحد قط فلم تطق له جوابا ؟ قال ما أعلمه إلا أن يكون أعرابيا خاصم عندي ويشير بيديه ، فقلت له : أمسك ، فإن لسانك أطول من يدك ! قال : أسامريّ أنت لا تمس
--> ( 1 ) يحور : يعود . ( 2 ) ذرب المعدة : فسادها .