أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
56
العقد الفريد
ربيعة الرأي وأعرابي : وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر ، فكأن العجب داخله ، وأعرابي إلى جنبه ، فأقبل على الأعرابي فقال : ما تعدّون البلاغة يا أعرابي ؟ قال : قلة الكلام وإيجاز الصواب . قال : فما تعدون العيّ ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم ! فكأنما ألقمه حجرا . شبيب وأعرابي : شبيب بن شيبة قال : لقيت أعرابيا في طريق مكة ، فقال لي : تكتب ؟ قلت : نعم . قال : ومعك دواة ؟ قلت : نعم . فأخرج قطعة جراب من كمه ، ثم قال : اكتب ولا تزد حرفا ولا تنقص : هذا كتاب كتبه عبد اللّه بن عقيل الطائي لأمته لؤلؤة : إني أعتقتك لوجه اللّه واقتحام العقبة ، فلا سبيل لي ولا لأحد عليك إلا سبيل الولاء ، والمنة عليّ وعليك من اللّه وحده ، ونحن في الحق سواء ثم قال : اكتب شهادتك . روي أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس ، فسمع عنده قارئا يقرأ : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها « 1 » ؛ فقال الأعرابي : واللّه ما أنقذكم منها وهو يرجعكم إليها . فقال ابن عباس : خذوها من غير فقيه . قولهم في حسن التوقيع وحسن التشبيه قيل لأعرابي : ما لك لا تطيل الهجاء ؟ قال : يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق . وقيل لأعرابي : كم بين كذا وبلد كذا ؟ قال : عمر ليلة وأديم يوم . وقال آخر : سواد ليلة وبياض يوم . وقيل لأعرابي : كيف كتمانك للسر ؟ قال : ما صدري له إلا قبر . معاوية وأعرابية : قال معاوية لأعرابية : هل من قرى ؟ قالت : نعم . قال : وما هو ؟ قالت : خبز خمير ، ولبن فطير ، وماء نمير .
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 103 .