أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
55
العقد الفريد
وكأنّ ريّقه ولمّا يحتفل * ودق السماء عجاجة طخياء « 1 » مستضحك بلوامع مستعبر * بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرّة * ضحك يؤلّف بينه وبكاء حيران متّبع صباه تقوده * وجنوبه كف له ورهاء « 2 » ثقلت كلاه فبهّرت أصلابه * وتبعّجت عن مائه الأحشاء « 3 » غدق تبعّج بالأباطح مزّقت * تلك السّيول وما لها أشلاء غرّ محجّلة دوالح ضمّنت * حمل اللّقاح وكلّها عذراء « 4 » سحم فهنّ إذا عبسن فواحم * سود ، وهنّ إذا ضحكن وضاء لو كان من لجج السواحل ماؤه * لم يبق في لجج السواحل ماء هشام وأعرابي يصف له السحاب : قال هشام بن عبد الملك لأعرابي : اخرج فانظر كيف ترى السحاب . فخرج فنظر ، ثم انصرف فقال : سفائن ، وإن اجتمعت فعين . قولهم في البلاغة والإيجاز قيل لأعرابي : من أبلغ الناس ؟ قال : أحسنهم لفظا وأسرعهم بديهة . الأصمعي قال : خطب رجل في نكاح فأكثر وطوّل ، فقيل : من يجيبه ؟ قال أعرابي : أنا . قيل له : أنت وذاك ؟ فالتفت إلى الخاطب فقال : إني واللّه ما أنا من تخطيطك وتمطيطك « 5 » في شيء ، قد متتّ بحرمة ، وذكرت حقا ، وعظّمت مرجوّا ، فحبلك موصول ، وفرضك مقبول ، وأنت لها كفء كريم ، وقد أنكحناك وسلّمنا .
--> ( 1 ) الريق : أول المطر ؛ والعجاجة : القطعة من الغبار تثيرها الرياح ؛ وطخياء : معتمة مظلمة . ( 2 ) ريح ورهاء : في هبوبها عجرفة . ( 3 ) كلية السحابة : أسفلها ؛ وبهرت أي غلبت ؛ وتبعجت : انفرجت . ( 4 ) دوالح : مثقلة بالماء . ( 5 ) تمطيط الكلام : إطالته .