أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

42

العقد الفريد

وذكر أعرابي رجلا بذلة فقال : عاش خاملا ومات موتورا . وذكر قوما فقال : ألبسوا نعمة ثم عرّوا منها فقال : ما كانت النعمة إلا طيفا لما انتبهوا لها ذهبت عنهم . وذم أعرابي رجلا فقال : هو كعبد القنّ « 1 » يسرك شاهدا ويسوؤك غائبا . ودعت أعرابية على رجل فقالت : أمكن اللّه منك عدوّا حسودا ، وفجع بك صديقا ودودا ؛ وسلط عليك همّا يضنيك ، وجارا يؤذيك . وقال أعرابي لرجل شريف البيت دنيء الهمة : ما أحوجك أن يكون عرضك لمن يصونه ، فتكون فوق ما أنت دونه . وذكر أعرابي رجلا فقال : إن حدّثته يسابقك إلى ذلك الحديث ، وإن سكتّ عنه أخذ في الترّهات . وذكر أعرابي أميرا فقال : يصل النشوة ، ويقضي بالعشوة « 2 » ، ويقبل الرشوة . وذكر أعرابي رجلا راكبا هواه ، فقال : واللّه لهو أسرع إلى ما يهواه ، من الأسن « 3 » إلى راكد المياه ، أفقره ذلك أو أغناه . وقال أعرابي : ليت فلانا أقالني من حسن ظني به ، فأختم بصواب إذ بدأت بخطإ ؛ ولكن من لم تحكمه التجارب أسرع بالمدح إلى من يستوجب الذم ، وبالذم إلى من يستوجب المدح . وقال أعرابي لرجل : هل أنت إلا أنت لم تغير ! ولو كنت من كنت حديد وضعت على أتون محمىّ لم تذب . وسمعت أعرابيا يقول لأخيه : قد كنت نهيتك أن تدنس عرضك بعرض فلان ، وأعلمتك أنه سمين المال ، مهزول المعروف ، من المرزوقين فجأة ، قصير عمر الغنى ، طويل عمر الفقر .

--> ( 1 ) العبد القن : الذي كان أبوه مملوكا لمواليه . ( 2 ) العشوة : ركوب الأمر على غير بيان . ( 3 ) الأسن من المياه : المتغير الذي لا يشرب .