أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
326
العقد الفريد
أما بعد ، فإن أنظر الناس في العاقبة ، من لطف حتى كف حرب عدوه بالصفح والتجاوز ، واستلّ حقده بالرفق والتحبب . وكتب إلى أبي حاتم السجستاني وبلغه عنه أنه نال منه : أما بعد ، فلو كففت عنا من غربك لكنا أهلا لذلك منك ، والسلام . فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح . وله فصول في وصاة : أما بعد ، فإن أحق من أسعفته في حاجته ، وأجبته إلى طلبته ، من توسل إليك بالأمل ، ونزع نحوك بالرجاء . أما بعد ، فما أقبح الأحدوثة من مستمنح حرمته ، وطالب حاجة رددته ، ومثابر حجبته ، ومنبسط إليك قبضته ، ومقبل إليك بعنانه لويت عنه ، فتثبّت في ذلك ولا تطع كل حلاف مهين ، همّاز « 1 » مشاء بنميم . أما بعد ، فإن فلانا أسبابه متصلة بنا ، يلزمنا ذمامه وبلوغ موافقته من أياديك عندنا ، وأنت لنا موضع الثقة من مكافأته ، فأولنا فيه ما نعرف موقعنا من حسن رأيك ، ويكون مكافأة لحقّه علينا . أما بعد ، فقد أتانا كتابك في فلان ، وله لدينا من الذمام ما يلزمنا مكافأته ورعاية حقه ، ونحن من العناية بأمره على ما يكافئ حرمته ويؤدّي شكره . وله فصول في استنجاز وعد : أما بعد ، فقد رسفنا « 2 » في قيود مواعيدك ، وطال مقامنا في سجون مطلك « 3 » ، فأطلقنا - أبقاك اللّه - من ضيقها وشديد غمّها بنعم منك مثمرة أو [ لا ] مريحة . أما بعد ، فإن شجر مواعيدك قد أورقت ، فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل .
--> ( 1 ) يقال : همزات الشيطان : خطراته ووساوسه . ( 2 ) رسفنا : غللنا . ( 3 ) المطل : التسويف وعدم الوفاء بالوعد .