أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
29
العقد الفريد
قال وسمعت أعرابيا يقول لابنه وهو يعاتبه : لا تتوهمن - على من يستدل على غائب الأمور بشاهدها - الغفلة عن أمور يعاينها ، فتكون بنفسك أخطأت ، وحظّك أخطأت . ونظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضّه « 1 » فقال . إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السّحر ، ولا هو بالذي قال فيه الشاعر : من كلّ مجتهد برى أوصاله * صوم النهار وسجدة الأسحار الأصمعي قال : سمعت أعرابيا ينشد : وإذا أظهرت أمرا حسنا * فليكن أحسن منه ما تسرّ فمسرّ الخير موسوم به * ومسرّ الشرّ موسوم بشرّ وقول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أسر امرؤ سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر » . قال : وأنشدني أعرابي : وما هذه الأيام إلّا معارة * فما اسطعت من معروفها فتزوّد فإنك لا تدري بأيّة بلدة * تموت ولا ما يحدث اللّه في غد يقولون لا تبعد ومن يك مسدلا * على وجهه ستر من الأرض يبعد وقال أعرابي : أعجز الناس من قصّر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم . وقال أعرابي لابنه : لا يسرك أن تغلب بالشر ؛ فإن الغالب بالشر هو المغلوب . وقال أعرابي لأخ له : قد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه . فإن حظك من عطيته السؤال . قال : وسمعت أعرابيا يقول : إن حب الخير خير وإن عجزت عنه المقدرة ،
--> ( 1 ) البضّ : النّضر .