أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

30

العقد الفريد

وبغض الشر خير وإن فعلت أكثره . وشهد أعرابي عند سوار القاضي بشهادة ، فقال له : يا أعرابي ، إن ميداننا لا يجري من العتاق فيه إلا الجياد . قال : لئن كشفت لتجدنّي عثورا ! فسأل عنه سوار فأخبر بفضل وصلاح ، فقال له : يا أعرابي ، أنت ممن يجري في ميداننا . قال : ذلك بستر اللّه . وقال أعرابي : واللّه لولا أن المروءة ثقيل محملها ، شديدة مئونتها « 1 » ، ما ترك اللئام للكرام شيئا . احتضر أعرابي ، فقال له بنوه : عظنا يا أبت . فقال : عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم ، وإن متم بكوا عليكم . ودخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر ، فلما رآه أعرض عنه ، فقال له : إن الشملة لا تكلمك وإنما يكلمك من هو فيها . مرّ أعرابي بقوم يدفنون جارية ، فقال نعم الصهر ما صهرتم ! وأنشد : وفي الأعياص أكفاء ليلى * وفي لحد لها كفء كريم وقال أعرابي : رب رجل سره منشور على لسانه ، وآخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي . ومرّ أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء ، فقال أحدهما : أنبتته الطاعة وحصدته المعصية ! وقال الآخر : من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته ، ومن فارق الحق فالجذع راحلته . العتبي عن زيد بن عمارة ، قال : سمعت أعرابيا يقول لأخيه وهو يبني منزلا : يا أخي : أنت في دار شتات * فتأهّب لشتاتك

--> ( 1 ) المئونة : القوت .