أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

28

العقد الفريد

ما إذا نزل بك أحببت له الموت . وقال أعرابيّ : حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أسنمة توضع ؛ وأخفافا ترقع . والخير يطلب عند غير أهله ، والفقير قد حل غير محله . وقدم أعرابي إلى السلطان فقال له : قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا ! قال له : وأنت فاعمل به ، فو اللّه ما أوعدك اللّه على تركه أعظم مما توعّدني به . وقيل لأعرابي : من أحقّ الناس بالرحمة ؟ قال الكريم يسلّط عليه اللئيم ، والعاقل يسلط عليه الجاهل . وقيل له : أي الداعين أحق بالإجابة ؟ قال المظلوم . وقيل له : فأي الناس أغنى عن الناس ؟ قال : من أفرد اللّه بحاجته . ونظر عثمان إلى أعرابي في شملة غائر العينين مشرف الحاجبين ناتئ الجبهة ، فقال له : يا أعرابي ، أين ربّك ؟ قال : بالمرصاد . الأصمعي قال : سمعت أعرابيا يقول : إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه ، فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى . قال : وسمعت أعرابيا يقول : من نتج الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور ؛ ومن غرس الشر أنبت له نباتا مرّا مذاقه ، وقضبانه الغيظ ، وثمرته الندم . وقال أعرابي : الهوى عاجله لذيذ ، وآجله وخيم . وقيل لأعرابي : إنك لحسن الشارة . قال : ذلك عنوان نعمة اللّه عندي . قال الأصمعي : ورأيت أعرابيا أمامه شاء فقلت له : لمن هذه الشاء ؟ قال : هي للّه عندي . وقيل لأعرابي : كيف أنت في دينك ؟ قال : أخرقه بالمعاصي وارقعه بالاستغفار . وقال أعرابي : من كساه الحياء ثوبه خفى على الناس عيبه . وقال : بئس الزاد التعدي على العباد . وقال : التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة . وقال : من ثقل على صديقه خفّ على عدوّه ، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون .