أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

269

العقد الفريد

فتخيّر من الألفاظ أرجحها لفظا وأجزلها معنى ، وأشرفها جوهرا وأكرمها حسبا ، وأليقها في مكانها ، وأشكلها في موضعها ؛ فإن حاولت صنعة رسالة فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت ، وعاير الكلمة بمعيارها إذا سنحت ؛ فإنه ربما مر بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت : أنا فاعل ، أحسن من أن تكتب : أنا أفعل ، وموضع آخر ، يكون فيه : استفعلت ، أحلى من : فعلت ؛ فأدر الكلام على أماكنه ، وقلّبه على جميع وجوهه ؛ فأيّ لفظة رأيتها أخفّ في المكان الذي ندبتها إليه ، وأنزع إلى الموضع الذي راودتها عليه فأوقعها فيه ؛ ولا تجعل اللفظة قلقة في موضعها ، نافرة عن مكانها ؛ فإنك متى فعلت [ ذلك ] هجّنت الموضع الذي حاولت تحسينه ، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه ؛ فإن وضع الألفاظ في غير أماكنها ، وقصدك بها إلى غير مصابها ، إنما هو كترقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه ، ولم تتقارب أجزاؤه ، خرج عن حد الجدّة وتغيّر حسنه ، كما قال الشاعر : إن الجديد إذا ما زيد في خلق * تبيّن الناس أنّ الثّوب مرقوع « 1 » كذلك كلما احلولى الكلام وعذب وراق وسهلت مخارجه ، كان أسهل ولوجا في الأسماع ، وأشدّ اتصالا بالقلوب ، وأخفّ على الأفواه ؛ لا سيما إن كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف ومعايرا بكلام عذب لم يسمه التكلف بميسمه ولم يفسده التعقيد باستغلافه . وكتب عيسى بن لهيعة إلى أخيه أبي الحسن ، وزوّر كلامه وجاوز المقدار في التنطع « 2 » ؛ فوقّع في أسفل كتابه : أنّى يكون بليغا * من اسمه كان عيّا وثالث الحرف منه * إذ كفيت مسيّا قال : وبلغني أن بعض الكتاب عاد بعض الملوك فوجده يئن من علة ، فخرج عنه بباب الطاق ، فإذا بطير يدعى الشفانين ، فاشتراه وبعث به إليه ، وكتب كتابا يتنطع

--> ( 1 ) خلق : ثوب بال . ( 2 ) تنطّع في كلامه : أي تفصّح فيه وتعمّق .