أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

232

العقد الفريد

وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي ، فحصر « 1 » ، فقال : أيها الناس ، إني كنت أعددت مقالا أقوم به فيكم فحجبت عنه ؛ فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه ؛ كما قال في كتابه ؛ وأنتم إلى إمام عدل ، أحوج منكم إلى إمام خطيب ؛ وإني آمركم بما أمر اللّه به ورسوله ، وأنهاكم عما نهاكم اللّه عنه ورسوله ، وأستغفر اللّه لي ولكم . وصعد خالد بن عبد اللّه القسري المنبر فأرتج عليه ، فمكث مليا لا يتكلم ؛ ثم تهيأ له الكلام فتكلم ، فقال : أما بعد ، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب « 2 » أحيانا ، فيسح عند مجيئه سيبه « 3 » ، ويعزّ عند عزوبه طلبه ؛ ولربما كوبر فأبى ، وعولج فنأى ؛ فالتأني لمجيّه ، خير من التعاطي لأبيّه ، وتركه عند تنكره ، أفضل من طلبه عند تعذره ؛ وقد يرتج على البليغ لسانه ، ويخلج من الجريّ جنانه ؛ وسأعود فأقول إن شاء اللّه . وصعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد . . . فأرتج عليه ، فقال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : لا . قال : فما ينفعني ما أريد أن أقول لكم ؟ ثم نزل . فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر وقال : أما بعد ؛ فأرتج عليه ؛ فقال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : نعم . قال : فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم ؟ ثم نزل . فلما كانت الجمعة الثالثة قال : أما بعد ؛ فأرتج عليه ، قال : أتدرون ما أريد أن أقول لكم ؟ قالوا : بعضنا يدري ، وبعضنا لا يدري . قال : فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري ! ثم نزل . وأتى رجل من بني هاشم اليمامة ، فلم اصعد المنبر أرتج عليه ؛ فقال : حيّا اللّه هذه الوجوه وجعلني فداءها : قد أمرت طائفي بالليل ألا يرى أحدا إلا أتاني به ؛ وإن

--> ( 1 ) الحصر : العيّ في الكلام . ( 2 ) يعزب : يغيب . ( 3 ) يسحّ سيبه : أي يهطل مطره .