أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
231
العقد الفريد
وخطبة لأبي حمزة أما بعد ، فإنك في ناشئ فتنة ، وقائم ضلالة قد طال جثومها ، واشتدّ عليك غمومها ، وتلوّت مصايد عدوّ اللّه ، وما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها ، فلن يهدّ عمودها ، ولن ينزع أوتادها ، إلا الذي بيده ملك الأشياء وهو اللّه الرحمن الرحيم : ألا وإن للّه بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها ، ولم يشايعوا أهلها على شبهها ؛ مصابيح النور في أفواههم تزهو ، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق ؛ ركبوا منهج السبيل ، وقاموا على العلم الأعظم ، هم خصماء الشيطان الرجيم ، بهم يصلح اللّه البلاد ، ويدفع عن العباد ؛ طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم ، وأسأل اللّه أن يجعلنا منهم . من أرتج « 1 » عليه في خطبته أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه ؛ فقال : أيها الناس ، إن أول كلّ مركب صعب ؛ وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها ؛ وسيجعل اللّه بعد عسر يسرا إن شاء اللّه . ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر ، خطب الناس فأرتج عليه ؛ فعاد إلى الحمد للّه ، ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد ثم أرتج عليه فقال : يأهل الشام عسى اللّه أن يجعل بعد عسر يسرا ، وبعد عيّ بيانا ؛ وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل . ثم نزل ، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه . صعد ثابت قطنة منبر سجستان ، فقال : الحمد للّه . ثم أرتج عليه ؛ فنزل وهو يقول : فإن لا أكن فيهم خطيبا فإنني * بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب فقيل له : لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس .
--> ( 1 ) أرتج عليه : استغلق عليه الكلام .