أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
219
العقد الفريد
أما بعد ، معشر أهل مكة ، فإنا سكناها حقبة ، وخرجنا عنها رغبة ، ولذلك كنا إذا رفعت لنا لهوة بعد لهوة « 1 » أخذنا أسناها ، ونزلنا أعلاها ؛ ثم شدخ « 2 » أمر بين أمرين ، فقتلنا وقتلنا ؛ فو اللّه ما نزعنا ولا نزع عنا ، حتى شرب الدم دما ، وأكل اللحم لحما ، وقرع العظم عظما ؛ فولي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم برسالة اللّه إياه ، واختياره له ؛ ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله ؛ ثم ولي عمر ؛ ثم أجيلت قداح نزعن من شعب « 3 » حول نبعة ، ففاز بحظّها أصلبها وأعتقها ، فكنا بعض قداحها ؛ ثم شدخ أمر بين أمرين ، فقتلنا وقتلنا ، فو اللّه ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما ، وأكل اللحم لحما ، وقرع العظم عظما ، وعاد الحرام حلالا ، وأسكت كل ذي حسن عن ضرب مهنّد ، عركا عركا ، وعسفا عسفا ، وخزا ونهسا ، حتى طابوا عن حقنا نفسا ، واللّه ما أعطوه عن هوادة ، ولا رضوا فيه بالقضاء ؛ أصبحوا يقولون : حقّنا غلبنا عليه ، فجزيناه هذا بهذا ، وهذا في هذا . يا أهل مكة ، أنفسكم أنفسكم ! وسفهاءكم سفهاءكم ! فإن معي سوطا نكالا ، وسيفا وبالا ، وكلّ منصوب على أهله . ثم نزل . خطبة للأحنف بن قيس قال بعد حمد اللّه والثناء عليه : يا معشر الأزد وربيعة ، أنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الصّهر « 4 » ، وأشقّاؤنا في النسب ، وجيراننا في الدار ، ويدنا على العدو ، واللّه لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة ، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام ؛ فإن استشرف شنآنكم وأبي حسد صدوركم ، ففي أحلامنا وأموالنا سعة لنا ولكم . خطبة ليوسف بن عمر قام خطيبا فقال : اتقوا اللّه عباد اللّه : فكم مؤمّل أملا لا يبلغه ، وجامع مالا لا
--> ( 1 ) اللهوة : العطية . ( 2 ) شدخ : فرق وباعد . ( 3 ) الشعب : الأغصان . ( 4 ) الصّهر : القريب بالزواج .