أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
218
العقد الفريد
وخطبة لعمرو بن سعيد بالمدينة قال أبو العباس بن الفرج الرياشي : حدّثنا ابن عائشة قال : قدم عمرو بن سعيد ابن العاص الأشدق المدينة أميرا ، فخرج إلى منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خزّ قرمز ، ومطرف خز قرمز ، وعمامة خز قرمز ؛ فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابا بها ، ففتح عينيه فإذا الناس ينظرون إليه ؛ فقال : ما بالكم يا أهل المدينة ترفعون إليّ أبصاركم ، كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم ؟ أغرّكم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم ؟ أما إنه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية ؛ أغرّكم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم « 1 » ثائرنا منا رفيقا ، قد فنى غضبه وبقي حلمه ؟ اغتنموا أنفسكم ، فقد واللّه ملكناكم بالشباب المقتبل ، البعيد الأمل الطويل الأجل ، حين فرغ من الصغر ، ودخل في الكبر ، حليم حديد ، ليّن شديد رقيق كثيف ، رفيق عنيف ، حين اشتد عظمه . واعتدل جسمه ، ورمى الدهر ببصره ، واستقبله بأشره ، فهو إن عض نهس « 2 » ، وإن سطا فرس « 3 » ، لا يقلقل له الحصى ، ولا تقرع له العصا ، ولا يمشي السّهّمى « 4 » . قال : فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر ، حتى قصمه اللّه . خطبة لعمرو بمكة العتبي قال : استعمل سعيد بن العاص وهو وال على المدينة ابنه عمرو بن سعيد واليا على مكة ، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحرث بن نوفل ، فلما لقيه قال له : يا حار ، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني ؟ قال : ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به ؛ واللّه ما كنيتني ، ولا أتممت اسمي ، وإنما أنهاك عن التكبّر على أكفائك ، فإن ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك . قال : واللّه ما أسأت الموعظة ، ولا أتهمك على النصيحة ، وإن الذي رأيت مني لخلق . فلما دخل مكة قام على المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال :
--> ( 1 ) وافقتم : وجدتم ؛ والثائر : الآخذ بالثأر . ( 2 ) نهس اللحم : أخذه بمقدم أسنانه ونتفه . ( 3 ) فرس الفريسة : دق عنقها . ( 4 ) السمهى : الباطل والكذب .