أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
201
العقد الفريد
إحسانه ، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته ؛ إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته . فإن فعل ذلك لم أنظره ؛ فاستأنفوا أموركم ، واستعينوا على أنفسكم ؛ فرب مبتئس بقدومنا سيسرّ ؛ ومسرور بقدومنا سيبتئس . أيها الناس : إنا أصبحنا لكم ساسة ، وعنكم ذادة ؛ نسوسكم بسلطان اللّه الذي أعطانا ، ونذود عنكم بقيء اللّه الذي خوّلنا ؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ؛ ولكم علينا العدل فيما ولينا ؛ فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا ؛ واعلموا أني مهما أقصّر عنه فلن أقصر عن ثلاث : لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني طارقا بلبل ، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبّانه ، ولا مجمّرا لكم بعثا ؛ فادعوا اللّه بالصلاح لأئمتكم ؛ فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم ، وكهفكم الذي إليه تأوون ؛ ومتى يصلحوا تصلحوا ؛ ولا تشربوا قلوبكم بغضهم ؛ فيشتد لذلك أسفكم ، ويطول له حزنكم ، ولا تدركوا له حاجتكم ؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم . أسأل اللّه أن يعين كلا على كل . وإذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فأنفذوه على أذلاله « 1 » ، وأيم اللّه إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي . ثم نزل . فقام إليه عبد اللّه بن الأهتم ، فقال : أشهد أيها الأمير ، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب ! قال له : كذبت ! ذاك داود صلّى اللّه عليه وسلم . فقام الأحنف بن قيس فقال : إنما الثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، وإنا لن نثني حتى نبتلي . قال له زياد : صدقت ! فقام أبو بلال [ مرداس بن أديّة ] وهو يهمس ويقول : أنبأنا اللّه تعالى بخلاف ما قلت ؛ قال اللّه تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 2 » . فسمعها زياد ، فقال : إنا لا نبلغ من أصحابك ما
--> ( 1 ) على إذلاله ، أي على وجوهه وطرقه . ( 2 ) سورة النجم الآية 37 - 39 .