أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

198

العقد الفريد

ولم تحط به الصفات بإدراكها إياه بالحدود متناهيا ، وما زال إذ هو اللّه الذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا ، انحسرت العيون عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا ، وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا ؛ وفات لعلوّه عن الأشياء مواقع وهم المتوهمين ؛ وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها ، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأنداد منزّها ، وكيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في رويّات الأوهام ، وقد ضل في إدراك كيفيته حواسّ الأنام : لأنه أجل من أن تحدّه ألباب البشر بنظير ، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين « 1 » . ألا وإن للّه ملائكة صلّى اللّه عليه وسلم . لو أن ملكا هبط منهم إلى الأرض لما وسعته لعظم خلقه وكثرة أجنحته ؛ ومن ملائكته من سد الآفاق بجناح من أجنحته دون سائر بدنه ؛ ومن ملائكته من السماوات إلى حجزته « 2 » وسائر بدنه في جرم الهوام الأسفل ، والأرضون إلى ركبته ومن ملائكته من لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يصفوه ما وصفوه ، لبعد ما بين مفاصله ، ولحسن تركيب صورته ؛ وكيف يوصف من سبعمائة عام مقدار ما بين منكبيه إلى شحمة أذنيه ؟ ومن ملائكته من لو ألقيت السّفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين ؛ فأين أين بأحدكم ؟ وأين أين أن يدرك ما لا يدرك ؟ خطبة عبد اللّه بن الزبير لما بلغه قتل المصعب صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم سكت ؛ فجعل لونه يحمرّ مرة ويصفر مرة ؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه : ماله لا يتكلم ؟ فو اللّه إنه للبيب الخطباء ! قال : لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب ، فيشتد ذلك عليه ، وغير ملوم ! ثم تكلم فقال : الحمد للّه ، له الخلق والأمر والدنيا والآخرة ؛ يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك

--> ( 1 ) الإفك : التخرّص والكذب . ( 2 ) الحجزة : موضع شدّ الإزار من الوسط .