أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

199

العقد الفريد

ممّن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذلّ من يشاء . أما بعد : فإنه لم يعزّ اللّه من كان الباطل معه ، وإن كان معه الأنام طرّا ؛ ولم يذل من كان الحقّ معه ، وإن كان فردا . ألا وإن خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا ، فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه ، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم العزاء ؛ وأما الذي أفرحنا فإن قتل المصعب له شهادة ولنا ذخيرة ، أسلمه النّعام المصلم « 1 » الآذان ؛ ألا وإنّ أهل العراق باعوه بأقل من الثمن الذي الذي كانوا يأخذون منه ؛ فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه ، وكانوا الخيار الصالحين . وإنا واللّه لا نموت حتفا ، ولكن قعصا « 2 » بالرماح ، وموتا تحت ظلال السيوف ؛ ليس كما يموت بنو مروان ! ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره . ولا يزول سلطانه ؛ فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر ؛ وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين ثم نزل . [ خطب زياد ] خطبة زياد البتراء قال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب عن أبي بكر الهذلي قال : قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان ؛ والفسق بالبصرة ظاهر فاش . فخطب خطبة بتراء ، لم يحمد اللّه فيها ؛ وقال غيره بل قال : الحمد للّه على إفضاله وإحسانه ، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه . اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا . أما بعد ، فإن الجهالة الجهلاء ، والضلالة العمياء ، والعمى الموفي بأهله على النار ، ما فيه سفهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ، ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير ؛ كأنكم لم تقرءوا كتاب اللّه ، ولم تسمعوا بما أعد اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب العظيم لأهل معصيته ، في الزمن السرمدي الذي لا يزول .

--> ( 1 ) المصلّم : المقطوع . ( 2 ) قعصه قعصا : طعنه بالرمح طعنا سريعا .