أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
192
العقد الفريد
اللّه عنه ، وأستغفر اللّه لي ولكم . [ خطب المأمون ] خطبة المأمون في يوم الجمعة الحمد للّه مستخلص الحمد لنفسه ، ومستوجبه على خلقه ؛ أحمده وأستعينه ؛ وأومن به وأتوكل عليه ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . أوصيكم عباد اللّه ونفسي بتقوى اللّه وحده ، والعمل لما عنده ، والتنجّز لوعده ، والخوف لوعيده ؛ فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه ، وعمل له وأرضاه . فاتقوا اللّه عباد اللّه وبادروا آجالكم بأعمالكم ؛ وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم ويفنى ، وترحلوا عن الدنيا ، فقد جدّ بكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم ، وكونوا كقوم صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ؛ فإن اللّه عز وجل لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به ، وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة ، وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لجدير بسرعة الأوبة ، وإن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدّة ، فاتقى عبد ربه ونصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته ، فإن أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها ، ويمنّيه التوبة ليسوّفها ، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها ، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة ، أو تؤدّيه أيامه إلى شقوة ؛ نسأل اللّه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غفلة ، ولا يحل به بعد الموت فزعة ، إنه سميع الدعاء ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، فعّال لما يريد . خطبة المأمون يوم الأضحى قال بعد التكبير والتحميد : إن يومكم هذا يوم أبان اللّه فضله ، وأوجب تشريفه ، وعظّم حرمته ، ووفّق له من خلقه صفوته ، وابتلى فيه خليله ، وفدى فيه من الذبح