أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

19

العقد الفريد

لبعض الأعراب : الأصمعي قال : وقفت أعرابية فقالت : يا قوم ، سنة جردت وأيد جمدت ، وحال أجهدت ؛ فهل من فاعل لخير ، وآمر بمير ؟ رحم اللّه من رحم ، وأقرض من يقرض . الأصمعي قال : أصابت الأعراب أعوام جدبة وشدة وجهد ، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين أيديهم أعرابي وهو يقول : أيها الناس ، إخوانكم في الدين ، وشركاؤكم في الإسلام ، عابر وسبيل ، وفلال « 1 » بؤس ، وصرعى جدب ، تتابعت علينا سنون ثلاثة ، غيرت النّعم وأهلكت النّعم ، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها فلم نزل نعلل بذلك أنفسنا ، ونمنّي بالغيث قلوبنا ، حتى عاد محنا عظاما ، وعاد إشراقنا ظلاما ، وأقبلنا إليك يصرعنا الوعر ، ويكننا السهل ، وهذه آثار مصائبنا ، لائحة في سماتنا ، فرحم اللّه متصدقا من كثير ، ومواسيا من قليل ، فلقد عظمت الحاجة ، وكسف البال وبلغ المجهود ، واللّه يجزي المتصدقين . الأصمعي قال : كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا ، فقال : أيها الناس ، إن الفقر يهتك الحجاب ، ويبرز الكعاب ؛ وقد حملتنا سنو المصائب ، ونكبات الدهور ، على مركبها الوعر ، فواسوا أبا أيتام ، ونضو زمان ، وطريد فاقة ، وطريح هلكة ، رحمكم اللّه . أتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال : رجل من أهل البادية ، ساقته إليك الحاجة ، وبلغت به الغاية ، واللّه سائلك عن مقامي هذا . فقال عمر . ما سمعت أبلغ من قائل ولا أوعظ لمقول له من كلامك هذا . سمع عدي بن حاتم رجلا من الأعراب وهو يقول : يا قوم ، تصدقوا على شيخ معيل ، وعابر سبيل ، شهد له ظاهره ، وسمع شكواه خالقه ، بدنه مطلوب وثوبه

--> ( 1 ) فلال بؤس ، أي منهزمون أمام البؤس .