أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

20

العقد الفريد

مسلوب ! فقال له : من أنت ؟ قال : رجل من بني سعد في دية لزمتني ، قال : فكم هي ؟ قال : مائة بعير . قال : دونكها في بطن الوادي ! سأل أعرابي رجلا فأعطاه ، فقال : جعل اللّه للمعروف إليك سبيلا ، وللخير عليك دليلا ، ولا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة . وقف أعرابي بقوم فقال : أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح « 1 » فيّ وجهه ، وأناخ عليّ كلكله ، بعد نعمة من البال ، وثروة من المال ، وغبطة من الحال ؛ اعتورتني شدائده ، بنبل مصائبه ، عن قسيّ نوائبه ، فما ترك لي ثاغية أجتدي ضرعها ، ولا راغية أرتجي نفعها ، فهل فيكم من معين على صرفه ، أو معد على حتفه ؟ فردّ القوم عليه ولم ينيلوه شيئا ؛ فأنشأ يقول : قد ضاع من يأمل من أمثالكم * جودا وليس الجود من فعالكم لا بارك اللّه لكم في مالكم * ولا أزاح السوء عن عيالكم فالفقر خير من صلاح حالكم الأصمعي قال : سأل أعرابي فلم يعط شيئا ، فرفع يديه إلى السماء وقال : يا ربّ ثقتي وذخري * لصبية مثل صغار الذّرّ جاءهم البرد وهم بشرّ * بغير لحف وبغير أزر كأنهم خنافس في جحر * تراهم بعد صلاة العصر وكلّهم ملتصق بصدري * فاسمع دعائي وتولّ أمري سأل أعرابي ومعه ابنتان له ، فلم يعط شيئا ؛ فأنشأ يقول : أيا ابنتيّ صابرا أباكما * إنكما بعين من يراكما اللّه مولاي وهو مولاكما * فأخلصا للّه في نجواكما تضرّعا لا تذخرا بكاكما * لعله يرحم من آواكما إن تبكيا فالدهر قد أبكاكما

--> ( 1 ) كلح : عبس .