أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

173

العقد الفريد

وبئس الرفيق ، ودب الوشاة بموت زياد ، فكلهم متحفّز للعداوة ، وقد قلّص الإزرة « 1 » ، وشمّر عن عطافه « 2 » ، ليقول ؛ مضى زياد بما استلحق به ، وولّى على الدنية من مستلحقه . فليت أمير المؤمنين سلم في دعته ، وأسلم زيادا في ضعته ، فكان ترب عامّته ، وواحد رعيّته ، فلا تشخص إليه عين ناظر ولا أصبع مشير ، ولا تذلق « 3 » عليه ألسن كلمته حيا ونبشته ميتا ، فإن تكن يا أمير المؤمنين حاببت زيادا بولاء رفات ، ودعوة أموات ، فقد حاباك زياد بجدّ هصور وعزم جسور ، حتى لانت شكائم الشّرس ، وذلت صعبة الأشوس ، وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره ، تأخذ بهما المنيع ، وتقهر بهما البزيع « 4 » ، حتى مضى واللّه يغفر له ؛ فإن يكن زياد أخذ بحق فأنزلنا منازل الأقربين يا أمير المؤمنين نمشي الضّرّاء « 5 » وندبّ الخفاء « 6 » ، ولنا من خيرك أكمله ، وعليك من حوبنا « 7 » أثقله ، وقد شهد القوم ، وما ساءني قربهم ليقرّوا حقا ، ويردّوا باطلا ؛ فإنّ للحقّ منارا واضحا ، وسبيلا قصدا ؛ فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت ، فما نأرز « 8 » إلى غير جحرنا ، ولا نستكثر بغير حقنا ، وأستغفر اللّه لي ولكم . قال : فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب ، فتصفّحهم بلحظه رجلا رجلا وهو متبسم ، ثم اتجه تلقاءه وعقد حبوته وحسر عن يده وجعل يومئ بها نحوه ، ثم قال معاوية : الحمد للّه على ما نحن فيه ؛ فكل خير منه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه ؛ فكل شيء خاضع له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، دلّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله ، فهو خاتم النبيين ، ومصدّق المرسلين ، وحجة رب العالمين ، صلوات اللّه عليه وسلامه وبركاته ، أمّا بعد ، فرب خير مستور ، وشر مذكور ، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به ، والحظ المرغب لمن فاز به ، فيهما التفاضل ، وفيهما التغابن ، وقد

--> ( 1 ) الإزرة : الاتزار . ( 2 ) العطاف : الرداء . ( 3 ) ذلق اللسان : ذرب وحد . ( 4 ) البزيع : السيد . ( 5 ) الضراء : الشجر الملتف . ( 6 ) دبّ الخفاء : المكر والخديعة . ( 7 ) الحوب : الإثم . ( 8 ) يقال : أرزت الحية إلى جحرها ، إذا لاذت به ورجعت إليه .