أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
174
العقد الفريد
صفقت يداي في أبيك صفقة « 1 » ذي الخلة من ضوارع « 2 » الفصلان ، عامل اصطناعي له بالكفر لما أوليته ، فما رميت به إلا انتصل « 3 » ، ولا انتضيته إلا غلّق جفنه ، وزلّت شفرته ، ولا قلت إلا عاند ، ولا قمت إلا قعد ، حتى اخترمه الموت ، وقد أوقع بختره « 4 » ، ودل على حقده ، وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل ، والتبس به الزلل ، فأخذ مني بحظ الغفلة ، وما أبرئ نفسي ، إنّ النفس لأمّارة بالسوء ؛ فما برحت هناة أبيك تحطب في جبل القطيعة حتى انتكث المبرم . وانحل عقد الوداد . فيا لها توبة تؤتنف من حوبة « 5 » أورثت ندما أسمع بها الهاتف وشاعت للشامت ؛ فليهنأ الواصم « 6 » ما به احتقر ؛ وأراك تحمد من أبيك جدا وجسورا : هما أوفيا به على شرف التقحم . وغمط النعمة ؛ فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهّدنا فيك من بعده ، وبهما مشيت الضرّاء ودببت الخفاء ؛ فاذهب إليك ، فأنت نجل الدّغل « 7 » ، وعترة النّغل ؛ والأخر شرّ . فقال يزيد : يا أمير المؤمنين ، إنّ للشاهد غير حكم الغائب ، وقد حضرك زياد ، وله مواطن معدودة بخير ، لا يفسدها التظنّي ولا تغيّرها التهم ، وأهلوه أهلوك التحقوا بك ، وتوسطوا شأنك ، فسافرت به الرّكبان ، وسمعت به أهل البلدان ، حتى اعتقده الجاهل ، وشك فيه العالم ، فلا يتحجّر يا أمير المؤمنين ما قد اتسع ، وكثرت فيه الشهادات ، وأعانك عليه قوم آخرون . فانحرف معاوية إلى من معه فقال : هذا ، وقد نفس عليه « 8 » ببيعته ، وطعن في إمرته ، يعلم ذلك كما أعلمه ؛ يا للرجال من آل أبي سفيان ! لقد حكموا وبذّهم يزيد وحده . ثم نظر إلى عبيد اللّه فقال : يا ابن أخي ، إني لأعرف بك من أبيك ، وكأني بك
--> ( 1 ) صفقت : صادفت . ( 2 ) ضوارع الفصلان : صغار الفصلان الضعيفة الضاوية . ( 3 ) انتصل : خرج نصله . ( 4 ) الختر : العذر . ( 5 ) الحوبة : الإثم والذنب . ( 6 ) الواصم : العياب المحقر . ( 7 ) الدغل والنغل : الفساد . ( 8 ) نفس عليه : حسده .