أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
172
العقد الفريد
معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى ، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت ، ولو قد أتى فالرّتق خير من الفتق ، وفي كلّ بلاغ ، ولا مقام على الرزية . وخطبة لمعاوية أيضا قال العتبي : خطب معاوية الجمعة في يوم صائف شديد الحر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : إن اللّه عز وجل خلقكم فلم ينسكم ، ووعظكم فلم يهملكم ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 1 » . قوموا إلى صلاتكم . ومما ذكر لعبيد اللّه بن زياد عند معاوية قال ابن دأب : لما قدم عبيد اللّه بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهيا عنه أنكره ، فجعل يتصدّى له بخلوة ليسبر من رأيه ما كره أن يشرك به عمله ، فاستأذن عليه بعد انصداع الطّلاب وإشغال « 2 » الخاصة وافتراق العامة ، وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه ، ففطن معاوية لما أراد ، فبعث إلى ابنه يزيد ، وإلى مروان بن الحكم ، وإلى سعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحكم ، وعمرو بن العاص ، فلما أخذوا مجالسهم أذن له ، فسلم ووقف واجما يتصفح وجوه القوم ، ثم قال : صريح العقوق مكاتمة الأدنين ، لا خير في اختصاص وإن وفر « 3 » ، أحمد اللّه إليكم على الآلاء « 4 » ، وأستعينه على اللأواء « 5 » ، وأستهديه من عمى مجهد ، وأستعينه على عدو مرصد ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه المنقذ بالأمين الصادق من شقاء هاو ، ومن غواية غاو ، وصلوات اللّه على الزكي ، نبيّ الرحمة ، ونذير الأمّة ، وقائد الهدى ؛ أمّا بعد يا أمير المؤمنين ، فقد عسف بنا ظنّ فرّع « 6 » ، وفزع صدّع ، حتى طمع السحيق ،
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 102 . ( 2 ) الإشغال : التفرق . ( 3 ) وفز : عمّ وشاع . ( 4 ) الآلاء : النعم . ( 5 ) اللأواء : الشدة . ( 6 ) فرع : فرق .