أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
165
العقد الفريد
أنبياء ، مهديين نجباء ؛ استودعهم وأقرهم في خير مستقر ، تناسختهم أكارم الأصلاب ، إلى مطهّرات الأمهات ، كلما مضى منهم سلف انبعث لأمره منهم خلف ، حتى انتهت نبوّة اللّه وأفضت كرامته إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فأخرجه من أفضل المعادن محتدا ، وأكرم المغارس منبتا ، وأمنعها ذروة ، وأعزها أرومة ، وأوصلها مكرمة من الشجرة التي صاغ منها أمناء ، وانتخب منها أنبياء ، شجرة طيبة العود ، معتدلة العمود ، باسقة الفروع ، مخضرة الأصول والغصون ، يانعة الثمار ، كريمة المجتنى ، في كرم نبتت ، وفيه بسقت وأثمرت ، وعزت فامتنعت ، حتى أكرمه اللّه بالروح الأمين ، والنور المبين ، فختم به النبيين ، وأتم به عدة المرسلين ، [ وجعله ] خليفته على عباده ، وأمينه في بلاده ؛ زينه بالتقوى وآثار الذكرى ؛ وهو إمام من اتقى ، ونصر من اهتدى ، سراج لمع ضوأه ، وزند برق لمعه ، وشهاب سطع نوره ؛ فاستضاءت به العباد ، واستنارت به البلاد ؛ وطوى به الأحساب فأزجى به السحاب ، وسخر له البراق حتى صافحته الملائكة ، وأذعنت له الألسنة ، وهدم به أصنام الآلهة ، سيرته القصد ، وسنته الرشد ؛ وكلامه فصل ، وحكمه عدل ؛ فصدع صلّى اللّه عليه وسلم بما أمره به ، حتى أفصح بالتوحيد دعوته ؛ وأظهر في خلقه لا إله إلا اللّه ، حتى أذعن له [ الخلق ] بالربوبية ، وأقرّ له بالعبودية والواحدانية ؛ اللهم فخصّ محمدا بالذكر المحمود . والحوض المورود . اللهم آت محمدا الوسيلة والرفعة والفضيلة ، واجعل في المصطفين محلته ، وفي الأعلين درجته ، وشرّف بنيانه وعظّم برهانه ، واسقنا بكأسه ، وأوردنا حوضه ، واحشرنا في زمرته ، غير خزايا ولا ناكثين ولا شاكين ولا مرتابين ولا ضالين ولا مفتونين ولا مبدلين ولا حائدين ولا مضلين ؛ اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها ، ومن كل نعيم أكمله ، ومن كل عطاء أجزله ، ومن كل قسم أتمه ؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا ، ولا أحظى عندك منزلة ولا أقرب إليك وسيلة ، ولا أعظم عليك حقا - ولا شفاعة ، من محمد ؛ واجمع بيننا وبينه في ظل العيش ، وبرد الرّوح « 1 » ، وقرة الأعين ، ونضرة السرور ، وبهجة النعيم ؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ
--> ( 1 ) الروح : نسيم الريح .