أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

164

العقد الفريد

جوامع التفسير ، وحالت دون غيبه حجب تاهت في أدنى دنوّها طامحات العقول ؛ فتبارك اللّه الذي لا يبلغه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ؛ وتعالى الذي ليس له نعت موجود ، ولا وقت محدود ، وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ ، ولا غاية منتهى ، ولا آخر يفنى ؛ وهو سبحانه كما وصف نفسه ، والواصفون لا يبلغون نعته ؛ أحاط بالأشياء كلها علمه وأتقنها صنعه ، وذللها أمره ، وأحصاها حفظه ؛ فلا يعزب عنه غيوب الهوى ، ولا مكنون صلم الدجى ، ولا ما في السماوات العلى إلى الأرض السابعة السفلى ؛ فهو لكل شيء منها حافظ ورقيب ، أحاط بها الأحد الصمد الذي لم تغيّره صروف الأزمان ، ولا يتكاءده « 1 » صنع شيء منها كان ؛ قال لما شاء أن يكون : كن ! فكان ؛ ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ، ولا تعب ولا نصب ؛ وكل عالم من بعد جهل يعلم ، واللّه لم يجهل ولم يتعلم ؛ أحاط بالأشياء كلها علما ، ولم يزدد بتجربتها خبرا ؛ علمه بها قبل كونها كعمله بها بعد تكوينها ؛ لم يكوّنها لتسديد سلطان ، ولا خوف زوال ولا نقصان ، ولا استعانة على ضد مناوئ ، ولا ند مكاثر ، ولكن خلائق مربوبون ، وعباد آخرون ، فسبحان الذي لا يئوده « 2 » خلق ما ابتدأ ، ولا تدبير ما برأ ، خلق ما علم ، وعلم ما أراد ، ولا يتفكر على حادث أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، لكن قضاء متقن ، وعلم محكم ، وأمر مبرم ، توحّد بالربوبية ، وخص نفسه بالوحدانية ، فلبس العز والكبرياء ، واستخلص المجد والسناء ، واستكمل الحمد والثناء ؛ فانفرد بالتوحيد ، وتوحد بالتمجيد ؛ فجل سبحانه وتعالى عن الأبناء وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء ؛ فليس له فيما خلق ندّ ، ولا فيما ملك ضدّ ، هو اللّه الواحد الصمد ، الوارث للأبد الذي لا يبيد ولا ينفد ، ملك السماوات العلى ، والأرضين السفلى ، ثم دنا فعلا . وعلا فدنا ، له المثل الأعلى ، والأسماء الحسنى ، والحمد للّه رب العالمين ؛ ثم إن اللّه تبارك وتعالى - سبحانه وبحمده - خلق الخلق بعلمه ثم اختار منهم صفوته ، واختار من كل خيار صفوته أمناء على وحيه ، وخزنة له على أمره ، إليهم ينتهي رسله ، وعليهم ينزل وحيه ، جعلهم أصفياء ، مصطفين

--> ( 1 ) تكاءده الأمر : شق عليه . ( 2 ) آد الشيء حامله : أثقله وأجهده .