أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

86

العقد الفريد

واحمدوا اللّه على العافية . وقال عليه السّلام لهم أيضا : عجبا لكم ، تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ؛ ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل . وقال يحيى بن زكريا عليه السّلام للمكذّبين من بني إسرائيل : يا نسل الأفاعي ، من دلّكم على الدخول في المساخط الموبقة بكم ؟ ويلكم ! تقرّبوا بعمل صالح ، ولا تغرّنكم قرابتكم من إبراهيم عليه السّلام . فإن اللّه قادر على أن يستخرج من هذه الجنادل « 1 » نسلا لإبراهيم . إن الفأس قد وضعت في أصول الشجر ، فأخلق بكلّ شجرة مرّة الطعم أن تقطع وتلقى في النار . وقال شعياء لبني إسرائيل : إذ أطلق اللّه لسانه بالوحي : إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة لينا ، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة . إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام ، وإن القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة . كم من سراج قد أطفأته الريح ، وكم عابد قد أفسده العجب . يا بني إسرائيل ، اسمعوا قولي ، فإن قائل الحكمة وسامعها شريكان ، وأولاهما بها من حقّقها بعمله . وقال المسيح صلّى اللّه عليه وسلم : إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها ، وإلى آجلها إذ نظروا إلى عاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا ما علموا أن سيتركهم ؛ هم أعداء لما سالم الناس ، وسلم لما عادى الناس ، لهم خير ، وعندهم الخبر العجيب ، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وبهم علم الهدى وبه عملوا ، لا يرون أمانا دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون . داود عليه السّلام : وهب بن منبه قال : قال داود عليه السّلام : يا رب ، ابن آدم ليس منه شعرة إلا

--> ( 1 ) الجنادل : الأشداء العظام .