أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

87

العقد الفريد

وتحتها لك نعمة وفوقها لك نعمة ، فمن أين يكافئك بما أعطيته ؟ فأوحى اللّه إليه : يا داود ، إنّي أعطي الكثير ، وأرضى من عبادي بالقليل ، وأرضى من شكر نعمتي بأن يعلم العبد أن ما به من نعمة فمن عندي لا من عند نفسه . إبراهيم عليه السّلام : ولما أمر اللّه عز وجل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم بذبح ولده وأن يجعله قربانا ، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له العازر ، وكان له صديقا ؛ فقال له الصديق إن اللّه لا يبتلي بمثل هذا مثلك ، ولكنه يريد أن يختبرك أو يختبر بك ؛ وقد علمت أنه لا يبتليك بمثل هذا ليفتنك ، ولا ليضلك ولا ليعنتك ، ولا لينقض به بصيرتك وإيمانك ويقينك ؛ فلا يروعنّك هذا ، ولا يسوأن باللّه ظنّك ؛ وإنما رفع اللّه اسمك في البلاء عنده على جميع أهل البلايا ، حتى كنت أعظمهم محنة في نفسك وولدك . ليرفعك بقدر ذلك في المنازل والدرجات والفضائل : فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك ، وليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك . وليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي اللّه به أولياءه ؛ لأن اللّه أكرم في نفسه ، وأعدل في حكمه وأرحم بعباده من أن يجعل ذبح الولد الطّيب بيد الوالد النبي المصطفى . وأنا أعوذ باللّه أن يكون هذا مني حتما على اللّه أو ردّا لأمره ، أو سخطا لحكمه ، ولكن هذا الرجاء فيه والظنّ به ؛ فإن عزم ربّك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك ؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء الجسيم ، والخطب العظيم ، إلا لحسن علمه بك ، وصدقك وتصبّرك ؛ ليجعلك إماما ؛ ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ومن وحي اللّه تعالى إلى أنبيائه أوحى اللّه عز وجل إلى نبي من أنبيائه : إني أنا اللّه مالك الملوك ؛ قلوب الملوك بيدي ؛ فمن أطاعني جعلت الملوك عليه رحمة ؛ ومن عصاني جعلت الملوك عليه نقمة « 1 » .

--> ( 1 ) النقمة : العقوبة .