أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

364

العقد الفريد

فازداد وجهه تربّدا واسودّ اسودادا حتى خفته ، ثم قال : فمن كان فقيه الشام ؟ قلت : مكحول . قال : فما كان مكحول هذا ؟ قلت : مولى . فازداد تغيّظا وحنقا ؛ ثم قال : فمن كان فقيه الجزيرة ؟ قلت : ميمون بن مهران . قال : فما كان ؟ قلت : مولى . قال : فتنفس الصعداء ، ثم قال : فمن كان فقيه الكوفة ؟ قلت : فو اللّه لولا خوفه لقلت : الحكم بن عيينة ، وعمار بن أبي سليمان ، ولكن رأيت فيه الشر ، فقلت : إبراهيم ، والشعبي . قال : فما كانا ؟ قلت : عربيان . قال : اللّه أكبر ! وسكن جأشه . وذكر عمرو بن بحر الجاحظ ، في كتاب الموالي والعرب : أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد اللّه بن الجارود ، ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه ، الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة ؛ فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا ، فأقبل على الموالي وقال : أنتم علوج « 1 » وعجم ، وقراكم أولى بكم . ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب وصيّرهم كيف شاء ، ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها ؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل ابن لجيم ، يقال له خراش بن جابر ؛ وقال شاعرهم : وأنت من نقش العجليّ راحته * وفرّ شيخك حتى عاذ بالحكم يريد : الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج على البصرة . وقال آخر ، وهو يعني أهل الكوفة ، وقد كان قاضيهم رجلا من الموالي يقال له : نوح بن درّاج : إنّ القيامة فيما أحسب اقتربت * إذ كان قاضيكم نوح بن درّاج

--> ( 1 ) علوج : مفرده علج ، وهو كل جاف شديد من الرجال .