أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
359
العقد الفريد
كرم فالكرم أولى به . تعني بقولها ، أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها ، فإذا كرمت فلا يضره لؤم أوّليته ، وإن لؤمت فلا ينفعه كرم أوّليته . وقال الشاعر : نفس عصام سوّدت عصاما * وعلّمته الكر والإقداما وصيّرته ملكا هماما وقال آخر : مالي عقلي وهمّتي حسبي * ما أنا مولى ولا أنا عربي إن انتمى منتم إلى أحد * فإنّني منتم إلى أدبي « 1 » وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب ، فأعجب عبد الملك ما سمع منه ، فقال : ابن من أنت يا غلام ؟ قال : ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي نلت بها هذا المقعد منك ! قال : صدقت ! . وقال النبي عليه الصلاة والسّلام : « حسب الرجل ماله ، وكرمه دينه » . وقال عمر بن الخطاب : إن كان لك مال فلك حسب ، وإن كان لك دين فلك كرم . وما رأيت أعجب من ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب ؛ إنه ذهب فيه كل مذهب من فضائل العرب ، ثم ختم كتابه بمذهب الشعوبية ، فنقض في آخره كل ما بنى في أوله ؛ فقال في آخر كلامه ؛ وأعدل القول عندي أن الناس كلهم لأب وأمّ ، خلقوا من تراب ، وأعيدوا إلى التراب ، وجروا في مجرى البول ، وطرأ عليهم الأقذار ؛ فهذا نسبهم الأعلى الذي يرتدع به أهل العقول عن التّعظّم والكبرياء ، والفخر بالآباء ، ثم إلى اللّه مرجعهم فتنقطع الأنساب ، وتبطل الأحساب ، إلا من كان حسبه التقوى ، أو كانت ماتّته « 2 » طاعة اللّه .
--> ( 1 ) انتمى : انتسب . ( 2 ) الماتّة : الحرمة والوسيلة .