أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
352
العقد الفريد
واحتججنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام : المؤمنون إخوة ، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم . وقوله في حجة الوداع ، وهي خطبته التي ودع فيها أمّته وختم نبوّته : « أيها الناس ، إنّ اللّه أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء . كلّكم لآدم وآدم من تراب ، ليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى » . وهذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام موافق لقول اللّه تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 1 » فأبيتم إلا فخرا وقلتم لا تساوينا العجم وإن تقدّمتنا إلى الإسلام ، ثم صلت حتى تصير كالحنى ، وصامت حتى تصير كأوتار ، ونحن نسامحكم ونجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ أبيتم إلا خلافه ، وإنما نجيبكم إلى ذلك لاتباع حديثه وما أمر به صلّى اللّه عليه وسلم ، فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة ، ونقول : أخبرونا إن قالت لكم العجم هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكا أو نبوّة ؟ فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم : وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة ، وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخّرت له الإنس والجن والطير والريح ، وإنما هو رجل منا ؟ أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ومغربها وبنى ردما من حديد ساوى به بين الصّدفين ، « 2 » وسجن وراءه خلقا من الناس تربى على خلق الأرض كلها كثرة ؛ يقول اللّه عز وجل : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ « 3 » فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا ، وليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض ؛ ولو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية الذي أسسها في قعر البحر وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها . وكيف ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز : من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف
--> ( 1 ) سورة الحجرات الآية 13 . ( 2 ) الصّدف : كل شيء مرتفع عظيم ، وصدفا الجبل : جانباه المتحاذيان . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 96 .