أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

353

العقد الفريد

ملك ، والذي تحته بنت ألف ملك ، والذي في مربطه ألف فيل ، والذي له نهران ينبتان العود وألفوه « 1 » والجوز والكافور ، الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا - إلى ملك العرب الذي لا يشرك باللّه شيئا . أما بعد ، فإني أردت أن تبعث إليّ رجلا يعلمني الإسلام ويوقفني على حدوده والسّلام . وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوّة فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة : هودا وصالحا وإسماعيل وحمدا ؛ ومنا المصطفون من العالمين : آدم ونوح ، وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر : فنحن الأصل وأنتم الفرع ، وإنما أنتم غصن من أغصاننا ، فقولوا بعد هذا ما شئتم وادّعوا . ولم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض [ لها ] ملوك تجمعها ، ومدائن تضمها ، وأحكام تدين بها ، وفلسفة تنتجها ، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات : مثل صنعة الديباج ، وهي أبدع صنعة ؛ ولعب الشطرنج ، وهي أشرف لعبة ، ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل ؛ ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون ، والأسطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به علم الأبعاد ودوران الأفلاك ، وعلم الكسوف [ وغير ذلك من الآثار المتقنة ] ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ، ويضم قواصيها ، ويقمع ظالمها ، وينهى سفيهها ؛ ولا كان لها قط نتيجة في صناعة ، ولا أثر في فلسفة ، إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم ، وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن والعروض ؛ فما الذي تفخر به العرب على العجم ؟ فإنما هي كالذئاب العادية ، والوحوش النافرة ، يأكل بعضها بعضا ، ويغير بعضها على بعض ، فرجالها موثقون في حلق الأسر ، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل ، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي وقد وطئن كما توطأ الطريق المهيع ، فخر بذلك شاعر فقال : والحق ركب المردفات عشيّة فقيل له : ويحك ! وأي فخر لك أن تلحق بالعشي وقد نكحن وامتهنّ ؟

--> ( 1 ) ألفوه : هي ما يعالج به الطيب .