أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

219

العقد الفريد

لأبي العتاهية في رثاء الأمين : لما قتل عبد اللّه المأمون أخاه محمد بن زبيدة ، أرسلت أمه زبيدة ابنة جعفر إلى أبي العتاهية يقول أبياتا على لسانها للمأمون ، فقال : ألا إنّ ريب الدهر يدني ويبعد * وللدهر أيام تذمّ وتحمد « 1 » أقول لريب الدهر إن ذهبت يد * فقد بقيت والحمد للّه لي يد إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي * ولي جعفر ، لم يهلكا ، ومحمد وكتبت إليه من قوله : لخير إمام قام من خير معشر * وأكرم بسّام على عود منبر كتبت وعيني تستهلّ دموعها * إليك ابن يعلى من دموعي ومحجري « 2 » فجعنا بأدنى الناس منك قرابة * ومن زلّ عن كبدي فقلّ تصبّري أتى طاهر لا طهّر اللّه طاهرا * وما طاهر في فعله بمطهّر فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا * وأنهب أموالي وخرّب أدوري وعزّ على هارون ما قد لقيته * وما نابني من ناقص الخلق أعور فلما نظر المأمون إلى كتابها وجه إليها بحباء جزيل ، وكتب إليها يسألها القدوم عليه ، فلم تأته في ذلك الوقت وقبلت منه ما وجّه به إليها ؛ فلما صارت إليه بعد ذلك قال لها : من قائل الأبيات ؟ قالت : أبو العتاهية . قال : وكم أمرت له ؟ قالت : عشرين ألف درهم . قال المأمون : وقد أمرنا له بمثل ذلك . واعتذر إليها من قتل أخيه محمد ، وقال لها : لست صاحبه ولا قاتله . فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن لكما يوما تجتمعان فيه ، وأرجو أن يغفر اللّه لكما إن شاء اللّه . أبو شأس يرثي ابنه شأسا : وربّيت شأسا لريب الزمان * فللّه تربيتي والنصب فليتك يا شأس فيمن بقي * وكنت مكانك فيمن ذهب !

--> ( 1 ) الرّيب : صرف الدهر . ( 2 ) المحجر في العين : ما أحاط بها .