أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
210
العقد الفريد
حتى يعود بنا في قعر مظلمة * لحد ويلبسنا في واحد كفنا يا أطيب الناس روحا ضمّه بدن * أستودع اللّه ذاك الروح والبدنا لو كنت أعطى به الدّنيا معاوضة * منه لما كانت الدنيا له ثمنا وقال أبو ذؤيب الهذلي ، وكان له أولاد سبعة فماتوا كلهم إلا طفلا ، فقال يرثيهم : أمن المنون وريبه تتوجّع * والدهر ليس بمعتب من يجزع « 1 » قالت أمامة ما لجسمك شاحبا * منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع أم ما لجسمك لا يلائم مضجعا * إلّا أقضّ عليك ذاك المضجع « 2 » فأجبتها أن ما لجسمي إنه * أودى بنيّ من البلاد فودّعوا أودى بنيّ وأعقبوني حسرة * بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم * فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع « 3 » فبقيت بعدهم بعيش ناصب * وإخال أني لاحق مستتبع ولقد حرصت بأن أدافع عنهم * وإذا المنيّة أقبلت لا تدفع وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع فالعين بعدهم كأن حداقها * سملت بشوك فهي عورا تدمع « 4 » حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشرّق كلّ يوم تقرع « 5 » وتجلّدي للشّامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع وقال في الطفل الذي بقي له : والنفس راغبة إذا رغّبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع وقال الأصمعي : هذا أبدع بيت قالته العرب . وقال أعرابيّ يرثي بنيه :
--> ( 1 ) المنون : الدهر . ( 2 ) أقضّ عليك : صار تحت جنبك على مضجعك . ( 3 ) أعنقوا : تبع بعضهم بعضا . ( 4 ) سملت : فقئت . ( 5 ) المروة : الحجارة البيض ؛ والمشرق : سوق بالطائف .