أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
160
العقد الفريد
رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا * مقلّدة أجيادها بالقلائد يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر * وما نال يحيى - في الحياة - بن خالد وأنّ أمير المؤمنين أعضّني * معضّهما بالمرهفات الحدائد « 1 » ذريني تجئنى منيتي مطمئنّة * ولم أتجشّم هول تلك الموارد فإن الذي يسمو إلى الرتب العلى * سيرمى بألوان الفرى والمكايد « 2 » وجدت لذاذات الحياة مشوبة * بمستودعات في بطون الأساود وقال : حتى متى أنا في حلّ وترحال * وطول شغل بإدبار وإقبال ونازح الدار ما أنفك مغتربا * عن الأحبّة ما يدرون ما حالي بمشرق الأرض طورا ثم مغربها * لا يخطر الموت من حرص على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعة * إن القنوع الغنى ، لا كثرة المال وقال عبد اللّه بن عباس : القناعة مال لا نفاد له . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، الرزق رزقان : فرزق تطلبه ، ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك . وقال حبيب : فالرّزق لا تكمد عليه فإنه * يأتي ولم تبعث إليه رسولا « 3 » وفي كتاب للهند : لا ينبغي للملتمس أن يلتمس من العيش إلا الكفاف الذي به يدفع الحاجة عن نفسه ، وما سوى ذلك إنما هو زيادة في تعبه وغمه . ومن هذا قالت الحكماء : أقل الدنيا يكفي وأكثرها لا يكفي ! وقال أبو ذؤيب :
--> ( 1 ) أعضه بالسيف : إذا ضربه به . ( 2 ) مكايد : مفردها مكيدة ، وهي الخبث والمكر . ( 3 ) تكمد : الكمد : هم وحزن لا يستطاع إمضاؤه .