أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
149
العقد الفريد
قال عمر بن ذرّ لأبيه : مالك إذا تكلمت أبكيت الناس ، فإذا تكلم غيرك لم يبكهم ؟ قال : يا بني ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة . وقال اللّه لنبي من أنبيائه : هب لي من قلبك الخشوع ، ومن عينيك الدموع ؛ ثم ادعني أستجب لك . ومن قولنا في البكاء : مدامع قد خدّدت في الخدود * وأعين مكحولة بالهجود ومعشر أوعدهم ربّهم * فبادروا خشية ذاك الوعيد فهم عكوف في محاريبهم * يبكون من خوف عقاب المجيد قد كاد أن يعشب من دمعهم * ما قابلت أعينهم في السّجود وقال قيس بن الأصمّ في هذا المعنى : صلّى الإله على قوم شهدتهم * كانوا إذا ذكروا أو ذكّروا شهقوا كانوا إذا ذكروا نار الجحيم بكوا * وإن تلا بعضهم مخوّفا صعقوا من غير همز من الشيطان يأخذهم * عند التّلاوة إلا الخوف والشّفق « 1 » صرعى من الحزن قد سجّوا ثيابهم * بقيّة الرّوح في أوداجهم رمق « 2 » حتى تخالهم لو كنت شاهدهم * من شدّة الخوف والإشفاق قد زهقوا النهي عن كثرة الضحك في الحديث المرفوع : « كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن » . وفيه : « لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا » . وفيه : « إن اللّه يكره لكم العبث في الصلاة : والرفث « 3 » في الصيام ، والضحك في الجنائز » .
--> ( 1 ) همز الشيطان : الجنون . ( 2 ) أوداج : مفرده الوداج وهو عرق في العنق . ( 3 ) الرفث : كلمة جامعة لما يريد الرجل من المرأة في سبيل الاستمتاع بها من غير كناية .