أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

144

العقد الفريد

ما أحوج الناس إلى مطرة * تزيل عنهم وضر الزيت « 1 » فبلغ قوله محمدا فقال : يا أيها المأفون رأيا لقد * عرّضت بي نفسك للموت « 2 » قيّرتم الملك فلم ننقه * حتى غسلنا القار بالزيت « 3 » الزيت لا يزري بأحسابنا * أحسابنا معروفة البيت وقيل لابن أبي داود : لم لا تسأل حوائجك الخليفة بحضرة محمد بن عبد الملك ؟ فقال : لا أحب أن أعلمه شأني . مقتل زيد ابن حسين : وقد حدث أبو القاسم جعفر ، أن محمد الحسني قال : أخبرنا محمد بن زكريا الغلابيّ ، قال : حدثنا محمد بن نجيع النّوبختي ، قال : حدثنا يحيى أنّ سليمان قال : حدثني أبي ، وكان ممن لحق الصحابة ، قال : دخلت الكوفة ، فإذا أنا برجل يحدث الناس ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : بكر بن الطرماح ؛ فسمعته يقول : سمعت زيد بن حسين يقول : لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، أتى بنعيه إلى المدينة كلثوم بن عمرو ، فكانت تلك الساعة التي أتى فيها أشبه بالساعة التي قبض فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، من باك وباكية ، وصارخ وصارخة ، حتى إذا هدأت عبرة البكاء عن الناس ، قال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : تعالوا حتى نذهب إلى عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فننظر حزنها على ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقام الناس جميعا حتى أتوا منزل عائشة رضي اللّه عنها ، فاستأذنوا عليها ، فوجدوا الخبر قد سبق إليها ، وإذا هي في غمرة الأحزان وعبرة الأشجان ، ما تفتر عن البكاء والنحيب منذ وقت سمعت بخبره ، فلما نظر الناس إلى ذلك منها انصرفوا ؛ فلما كان من غد قيل إنها غدت إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يبق في المسجد أحد من المهاجرين إلا استقبلها يسلم عليها ،

--> ( 1 ) الوضر : الوسخ من الدسم أو غيره . ( 2 ) المأفون : الذي يتخلق بما ليس فيه ويدعي . ( 3 ) قيرتم : طليتم بالقار ، والقار : الزفت .