أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
108
العقد الفريد
قال : من قلّده اللّه من أمر الرعية ما قلّدك . قال : عظني أبا حازم ! قال : اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك ، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك . قال : يا أبا حازم أشر عليّ . قال : إنما أنت سوق ، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت . قال : مالك لا تأتينا ؟ قال : وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين ؟ إن أدنيتني فتنتني ، وإن أقصيتني أخزيتني ؛ وليس عندك ما أرجوك له ، ولا عندي ما أخافك عليه ! قال : فارفع إلينا حاجتك . قال : وقد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها ، فما أعطاني منها قبلت ، وما منعني منها رضيت . مقام ابن السماك عند الرشيد دخل عليه ، فلما وقف بين يديه قال له : عظني يا ابن السماك وأوجز . قال : كفى بالقرآن واعظا يا أمير المؤمنين ، قال اللّه تعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » . هذا يا أمير المؤمنين وعيد لمن طفف في الكيل ، فما ظنك بمن أخذه كله ! وقال له مرة : عظني . وأتى بماء ليشربه . فقال : يا أمير المؤمنين ، لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك ؟ قال : نعم . قال : فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك ؟ قال : نعم ! قال : فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة ! قال : يا ابن السماك ، ما أحسن ما بلغني عنك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ثبتت لي في قلب أحد مودة ؛ وإني لخائف في الكلام الفتنة وفي السر الغرة وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها .
--> ( 1 ) سورة المطففين الآية 1 - 6 .